عمر فروخ
629
تاريخ الأدب العربي
يطمع اللعين أن يساعده على هذه الفتكة من فيه أدنى رمق وأقلّ مسكة « 1 » - ثمّ سقاهم الخمر وسقى نفسه ليجتري ويجرّيهم « 2 » ويحول بينهم وبين أدنى ميز « 3 » إن كان فيهم . وسلّحهم بضروب من الأسلحة المتصرّفة في أماكن الضيق والسعة . وطرق القصر في بضع عشرة « 4 » منهم . وتعلّق معهم الأسوار والحيطان ، وتسنّم بهم السقوف والجدران يروم فيّ القضيّة العظمى والطامّة الكبرى « 5 » التي قام دونها دفاع الله تعالى . فشعرت بالحركة فخرجت . فلمّا وقعت عينه وأعينهم عليّ تساقطوا هاربين وتطارحوا « 6 » خائفين خائبين . وإنّما كان رجاءهم « 7 » أن يجدوني في غمرة الكرى أو على غفلة من أن أسمع وأرى . فقالت ، بحمد الله ، أراجيهم « 8 » ، وضلّت أعمالهم ومساعيهم . وأعجلتهم عواقب كفرهم وتعدّيهم . وخرق اللعين سور المدينة فارّا بنفسه . وأخرجت الخيل في أثره فلحق غير بعيد ، وسيق إليّ في حال الأسير المصفود . وكذلك سائر الجناة وباقي العصاة أظفر الله بهم ومكّن منهم وأعثر عليهم جميعهم . فلم يفلت منهم أحد ، ولا فات منهم بشر . . . وحصل في قبضتي جميع الصبيان من العبيد المذكورين . وأقمت حدود الله تعالى « 9 » على الجميع منهم . وأنفذت حكمه العدل فيهم . والحمد لله كثيرا . . . - وقال يرثي رجلا مات مجذوما « 10 » :
--> ( 1 ) أدنى ( أقل ) رمق : بقيّة ( من الحياء ) ومسكة : القليل ( من العقل ) . ( 2 ) يجتري يجترئ ( يقدم ) . يجرّيهم - يجرّئهم . ( 3 ) الميز : الرفعة ( بكسر الراء ) العلوّ . والمقصود : التمييز ( التفريق بالعقل بين الأمور ) . ( 4 ) الصواب : في بضعة عشر ( بفتح التاء والعين والشين والراء ) . ( 5 ) الطامّة : الداهية ، المصيبة ( موت المعتضد ) . ( 6 ) تطارحوا : تناظروا وتحاوروا ( والمقصود هنا : انطرحوا : ألقوا ( بفتح القاف ) بأنفسهم أرضا . ( 7 ) في الأصل : رجاؤهم . والصواب : رجاءهم ( خبر كان مقدّم ، لأنّ « المصدّر المؤوّل » ( أن يجدوني ) يعرب اسما لكان لا خبرا لها ) . ( 8 ) فال : خاب ، أخطأ ، ضعف . أراجيّ ( بتشديد الياء ) جمع أرجية ( بضمّ الهمزة وتشديد الياء ) : الشيء الذي يؤخّر ( والمقصود : أمانيّهم ) . ( 9 ) أقام الحدّ على المذنب : عاقبه بالعقاب الذي أمر اللّه به . ( 10 ) الجذام ( بالضمّ ) : مرض يتهرّأ به اللحم .